حين فقدنا الرضا: مراجعة عميقة لكتاب "الحياة التي نريد" لآدم فيليبس وسؤال السعادة المعاصرة
في عصر يتسم بالوفرة المادية والاتصال الرقمي اللحظي، يجد الإنسان المعاصر نفسه غارقاً في مفارقة غريبة؛ فبينما يمتلك كل أدوات الرفاهية بين يديه، يزداد شعوره بالاغتراب وعدم الرضا. هذا التساؤل الجوهري حول "الحياة التي نريدها" مقابل "الحياة التي نعيشها" هو المحور الذي يدور حوله أحدث مؤلفات المحلل النفسي البريطاني الشهير آدم فيليبس (Adam Phillips) في كتابه "الحياة التي تريدونها" (The Life You Want).
- في هذا المقال، سنقوم بتحليل أفكار الكتاب، واستعراض الصراع بين الرغبة والواقع، وكيف يمكن للتحليل النفسي والبراغماتية أن يقدما لنا رؤية مغايرة لمفهوم السعادة والرضا النفسي.
 |
| حين فقدنا الرضا: مراجعة عميقة لكتاب "الحياة التي نريد" لآدم فيليبس وسؤال السعادة المعاصرة |
حين فقدنا الرضا: مراجعة عميقة لكتاب "الحياة التي نريد" لآدم فيليبس وسؤال السعادة المعاصرة
من هو آدم فيليبس؟ ولماذا يجب أن نقرأ له؟
قبل الغوص في تفاصيل الكتاب، من الضروري معرفة خلفية الكاتب. آدم فيليبس ليس مجرد محلل نفسي، بل هو أحد أبرز النقاد الأدبيين والمفكرين في العصر الحديث. شغل منصب كبير المعالجين النفسيين للأطفال في مستشفى تشارينغ كروس بلندن، وهو المحرر العام لترجمات "سيغموند فرويد" في سلسلة كلاسيكيات بنغوين.
- تمنحه هذه الخلفية المزدوجة (التحليل النفسي والنقد الأدبي) قدرة فريدة على تفكيك النصوص والظواهر الإنسانية بأسلوب يجمع بين الدقة العلمية والبلاغة الأدبية، وهو ما جعل كتابه "الحياة التي تريدونها" يتجاوز كونه كتاب "مساعدة ذاتية" تقليدياً، ليصبح دراسة فلسفية عميقة في ماهية الوجود الإنساني.
وهم "أحب ما تعمل": هل نكذب على أنفسنا؟
يبدأ فيليبس بتفكيك واحدة من أشهر المقولات المعاصرة: "أحب ما تعمل حتى تعمل ما تحب". يرى الكاتب أن هذه العبارة في جوهرها ليست سوى "وعد مؤجل" نادراً ما يتحقق. نحن نكره أنفسنا على حب أعمالنا الحالية بانتظار طور موعود من الشغف لا يأتي أبداً.
هذا الصراع يولد حالة من "عدم الرضا المزمن". ويرى فيليبس أن النضج الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن السعادة موزعة بين ثلاثة عوالم زمنية:
الماضي: حيث تسكن الذكرى.
المستقبل: حيث يسكن الأمل.
الحاضر: وهو المنطقة الأصعب، حيث نستخدم الذكرى والأمل كمجرد "زاد" لاحتمال واقع قد لا نكون راضين عنه تماماً.
تحليل كتاب "الحياة التي تريدونها": صراع الهوس والمتعة
يتألف الكتاب من 160 صفحة مقسمة إلى سبع مقالات مكثفة. الفكرة الرئيسية التي يطرحها الناشر ويحللها فيليبس هي: كم نحن مهووسون بفكرة الحياة التي نريد أن ننعم بها، لدرجة أننا ننسى الحياة التي نقوى فعلياً على احتمالها.
التداخل بين الشخصي والسياسي
يشير الكتاب إلى أن رغباتنا ليست نابعة من الداخل فقط، بل هي نتاج ثقافات تروج للمتعة المستمرة وتضع في الوقت ذاته عراقيل طبقية واجتماعية تمنع الوصول إليها. هذا التناقض بين ما "نشتهيه" وما هو "متاح" يخلق فجوة نفسية يحاول التحليل النفسي ردمها أو على الأقل فهم أسبابها.
التحليل النفسي ضد البراغماتية: فرويد في مواجهة رورتي
من أجمل المقارنات التي عقدها آدم فيليبس في كتابه هي المقابلة بين مدرستين فكريتين:
1. مدرسة سيغموند فرويد (التحليل النفسي)
يرى فرويد أن "اللاوعي" هو قوة غريزية وفطرية، أشبه بالقدر الذي لا نملك السيطرة عليه. التحليل النفسي هنا يبدأ بـ "المقاومة"؛ مقاومة هذه الدوافع وفهم جذورها العميقة.
2. مدرسة ريتشارد رورتي (البراغماتية الأمريكية)
على النقيض، يطرح الفيلسوف ريتشارد رورتي رؤية أكثر تفاؤلاً (أو ربما نفعية). يرى رورتي أن اللاوعي هو "مجموعة من الأنفس" التي يمكن أن تكون رفيقة جيدة لنا، تساعدنا في تحقيق أفضل مصالحنا. البراغماتية هنا تبدأ بـ "القبول" والتركيز على الخيارات المتاحة لتحسين جودة الحياة اليومية.
- فيليبس لا ينحاز لإحدى المدرستين بشكل أعمى، بل يحاول العثور على منطقة توافق بين من يركزون على "اللاوعي السحيق" وبين من يركزون على "الحياة اليومية المعيشة".
هل هو كتاب تطوير ذات (Self-Help)؟
هناك جدل بين النقاد حول تصنيف الكتاب.
الرأي الأول: يراه كتاب مساعدة ذاتية "رفيع المستوى"، لأنه يقدم حكماً بليغة واستشهادات أدبية تساعد الإنسان على فهم دوافعه.
الرأي الثاني: يرفض هذا التصنيف، معتبراً أن كتب تطوير الذات عادة ما تقدم "وصفات سهلة" وخطوات محددة للنجاح، بينما كتاب فيليبس "كثيف" وصعب القراءة ويغوص في نظريات معقدة لجاك ديلوز ووينيكوت، مما يجعله كتاباً فكرياً بامتياز وليس دليلاً إرشادياً مبسطاً.
إمبراطور الهواتف الذكية: متعة كئيبة في عصر الوفرة
يستشهد المقال بفقرة نقدية لاذعة للكاتب ستيوارت جيفريز، تلخص أزمة الإنسان الحديث. يصف جيفريز الإنسان المعاصر في المدن الكبرى بأنه أصبح يشبه "الأباطرة الرومانيين"؛ فكل شيء متاح بضغطة زر عبر الهاتف الذكي (الطعام، الدواء، الترفيه، وحتى العلاقات).
ولكن، هل جعلتنا هذه "الألوهية التقنية" أكثر سعادة؟ يرى الكتاب أن هذه الوفرة أدت إلى نوع من "المتعة الكئيبة". فنحن نحصل على ما نريد بسرعة البرق، لكننا نفقد "لذة السعي" و"الرضا العميق" الذي يأتي من صياغة الحياة بجهد وصبر.
كيف نحصل على الحياة التي نريدها فعلاً؟
من خلال قراءة "الحياة التي تريدونها"، يمكننا استخلاص بعض الرؤى لتحقيق توازن نفسي:
فهم مصدر الرغبة: تساءل دائماً: هل هذه الحياة التي أريدها هي رغبتي الحقيقية أم هي "صورة ذهنية" فرضتها عليّ الثقافة الاستهلاكية؟
قبول التناقض: الحياة ليست سعادة مستمرة، والرضا لا يعني غياب الألم، بل يعني القدرة على "احتمال" الواقع واستغلاله بأفضل شكل ممكن.
التصالح مع اللاوعي: بدلاً من النظر إلى مخاوفنا ودوافعنا الخفية كأعداء، يمكننا التعامل معها كأجزاء من شخصيتنا تحتاج إلى "الاعتراف" والتحليل.
خاتمة: الرضا في زمن القلق
كتاب آدم فيليبس "الحياة التي تريدونها" هو صرخة في وجه الهوس بالكمال والمثالية الزائفة. إنه يدعونا إلى التوقف عن مطاردة "سراب" الحياة المأمولة على حساب "حياة الواقع". الرضا الحقيقي قد لا يكمن في الحصول على كل ما نريد، بل في فهم "لماذا نريد ما نريد" وفي امتلاك الشجاعة لمواجهة الحياة كما هي، بكل تناقضاتها وتعقيداتها.